الأكثر مشاهدة

الكاتبة: فاطمة يعقوب خوجة* ماذا لو دخلت قطة طويلة ترتدي قبعة إلى منزل طفلين، وحو …

لماذا يحبُّ الأطفال أدب اللامعنى؟

منذ ساعتين

4

0

الكاتبة: فاطمة يعقوب خوجة*

ماذا لو دخلت قطة طويلة ترتدي قبعة إلى منزل طفلين، وحوّلت يومهما الهادئ إلى سلسلة من الفوضى والمفاجآت؟ وماذا لو ظهرت في البيت مخلوقات لا نعرف أسماءها، لأن الكاتب اخترعها لتنسجم مع أصوات الكلمات؟ وماذا لو انتهت حروف الأبجدية المعروفة، بينما بقيت في العالم مخلوقات لا نستطيع كتابة أسمائها؟
هذه الأشياء لا نراها في الواقع، لكنها تبدو ممكنة تماما في عالم أدب اللامعنى. ففي هذا العالم تتكلّم الحيوانات، وتتبدّل الأحجام، وتُخترع الكلمات والمخلوقات، وتنقلب وظائف الأشياء والقواعد المألوفة. ومع ذلك لا يشعر القارئ بأن النص فوضى عشوائية؛ لأن هذا العالم الغريب يمتلك نظامه الخاص.
فما أدب اللامعنى؟ ولماذا يجد الطفل متعة في عالم يخالف ما يعرفه؟
أدب اللامعنى أسلوب في الكتابة يقوم على اللعب المتعمد باللغة والمنطق والعلاقات المألوفة بين الأشياء. تظهر فيه أحداث مستحيلة وكلمات مخترعة ومفارقات وشخصيات تتصرّف وفق قوانين غير مألوفة، مع احتفاظ النص بإيقاع أو بناء داخلي يجعل غرابته ممتعة لا عشوائية. فاللامعنى لا يعني أن النص بلا قيمة أو بناء، بل يعني أنه يُربك العلاقة المعتادة بين الكلمة ومعناها، وبين السبب والنتيجة، ويصنع عالما له منطقه الخاص.
قد نجد فيه، مثلًا: سمكة تصعد إلى الشجرة لتعلّم العصافير السباحة! أو طفلًا يستيقظ في مساء الصباح! فيرتدي حذاءه في أذنيه! ويحمل مظلته حتى لا تبتل الشمس! تنشأ المتعة من قلب وظائف الأشياء والعلاقات بينها، فالطفل يدرك أن الجملة تخالف الواقع، لكنه يستمتع باكتشاف موضع المفارقة فيها.
من المهم التمييز بين الخيال وأدب اللامعنى، فليست كل قصة خيالية من هذا الأدب. قد يظهر في القصة الخيالية تنين أو بساط طائر أو حيوان ناطق، لكن وجوده يخضع عادة لقوانين العالم القصصي. أما في أدب اللامعنى، فلا يقتصر اللعب على الحدث، بل يمتد إلى اللغة والمنطق والزمن والحجم والعلاقة بين السبب والنتيجة.
أن يتكلّم حيوان ليس كافيا وحده لاعتبار القصة من أدب اللامعنى. لكن أن تظهر مخلوقات بأسماء اخترعها الكاتب لأن القافية استدعتها، أو أن تحتاج هذه المخلوقات إلى حروف جديدة لأن الأبجدية المعروفة لا تستطيع كتابة أسمائها، فهذا لعب باللغة والوجود معا. وفي الخيال التقليدي يسأل القارئ غالبا: ماذا سيحدث بعد ذلك؟ أما في أدب اللامعنى فقد يسأل: لماذا سُمّي هذا المخلوق بهذا الاسم؟ وكيف يمكن أن تنقلب القاعدة بهذه الطريقة؟ وهل تستطيع الكلمة أن تخلق شيئا لم يكن موجودا؟
واللامعنى مع ذلك ليس فوضى. فالنص الجيد لا يعتمد على رصف كلمات غريبة أو اختراع حوادث بلا رابط. بل ينظم المفاجآت وفق إيقاع أو صورة أو قاعدة أو فكرة. قد يخترع الكاتب أسماء كثيرة، لكن ينبغي أن تنسجم مع أصوات النص. وقد يقلب وظائف الأشياء، لكن وفق نمط يستطيع الطفل ملاحظته. أما التكرار الناجح فيتغير قليلا في كل مرة، فيبني التوقع ثم يفاجئ القارئ.
لا يغلق اللامعنى الناجح باب الفهم في وجه الطفل، بل يدعوه إلى نوع آخر منه: فهم النمط، والإيقاع، والمفارقة، والعلاقة الخفية بين الكلمات. لذلك لا يقف هذا الأدب ضد المعرفة، بل يدرّب العقل على أن يسأل: ماذا لو؟ هل توجد طريقة أخرى؟ لماذا يجب أن تكون القاعدة هكذا؟ ماذا يحدث إذا تغيرت؟ هل نستطيع ابتكار اسم جديد لشيء جديد؟
تجمع أعمال كثيرة لدكتور سوس بين اللامعنى والفكاهة والخيال واللعب اللغوي، وغالبًا ما تضع هذه العناصر في خدمة فكرة تربوية أو اجتماعية. ويتجلى أسلوبه في اختراع الكلمات والأسماء والمخلوقات الغريبة، والمبالغة في الأحجام والأفعال، والجمع بين أشياء لا تجتمع في الواقع، وقلب القواعد المنطقية، إلى جانب الاعتماد على القافية والإيقاع السريع وتكرار الجمل والأصوات بطريقة مرحة.
في كتاب The Cat in the Hat، يدخل قط طويل القامة يرتدي قبعة إلى منزل طفلين، ويتحدث إليهما ويؤدي ألعابا فوضوية برفقة كائنين يسميان “الشيء الأول” و”الشيء الثاني”. الموقف غير معقول في الواقع، لكنه لا يخلو من البناء؛ إذ تبدأ القصة بدخول القط، ثم تتصاعد الفوضى وتقع المشكلة، قبل أن يعيد القط المنزل إلى حالته. وهكذا تعمل الغرابة داخل حبكة واضحة، وليست مجرد حوادث مبعثرة.
وفي There’s a Wocket in My Pocket! يملأ دكتور سوس المنزل بمخلوقات اخترع أسماءها لتنسجم صوتيا مع أسماء الأماكن والأثاث. تنشأ الشخصيات، في كثير من الأحيان، من القافية نفسها؛ فكأن الصوت لا يصف المخلوق فحسب، بل يصنعه.
أما في On Beyond Zebra! فيتخيّل الكاتب أن حروف الأبجدية المعروفة لا تكفي لتسمية جميع الموجودات في العالم، فيقترح حروفا جديدة لمخلوقات جديدة. لا يقتصر اللعب هنا على ابتكار كائن غريب، بل يمتد إلى اللغة نفسها: ماذا نفعل عندما لا تكفينا الحروف التي نعرفها؟
يستخدم دكتور سوس اللامعنى لتحقيق ثلاثة أغراض متداخلة: إمتاع الطفل وإضحاكه، ومساعدته على القراءة من خلال الإيقاع والتكرار، وتمرير فكرة تربوية أو اجتماعية. لذلك لا تكون الغرابة عنده غاية منفصلة، بل وسيلة لجذب الطفل إلى اللغة والفكرة معا.
يحب الطفل أدب اللامعنى لأنه يمنحه مساحة لا تتحكم فيها قواعد الكبار كلها. يستطيع فيه أن يغيّر أسماء الأشياء، ويعكس الأدوار، ويمنح الحيوان صوتا، ويجعل الصغير ضخما والضخم صغيرا. وبذلك يشعر أنه لا يكتفي بتلقي العالم كما هو، بل يستطيع إعادة ترتيبه وفق خياله.
كما يجد فيه شكلا من الحرية اللغوية. فالخطأ الذي يُصحح له في الحياة اليومية قد يصبح في القصة بداية كلمة جديدة، أو اسما لمخلوق، أو مفتاحا لعالم كامل. وهكذا تتحول اللغة من قواعد يجب الالتزام بها فقط إلى مادة قابلة للتجريب واللعب والاكتشاف.
ومن خلال هذه العوالم يتعلّم الطفل أن الواقع ليس الشكل الوحيد الممكن للأشياء، وأن الكلمة ليست صندوقا مغلقا، وأن السؤال الغريب قد يفتح بابا لا تفتحه الإجابة الجاهزة. فأدب اللامعنى لا يعلّمه أن العالم بلا نظام، بل يمنحه الشجاعة ليتخيّل نظاما آخر.

*كاتبة متخصصة في أدب الطفل واليافعين.
نالت عددًا من الجوائز الأدبية. شاركت في كتابة برامج تعليمية موجّهة للطفل

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود