805
0
1337
0
585
0
2726
0
423
0
2
0
5
0
7
0
2
0
0
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13715
0
13561
0
12383
0
12212
0
9713
0
سلوى الأنصاري
في مسيرة الزمن الطويلة، تتشكل الحضارات كما تتشكل الصخور من جبال عاتية، تتراكم طبقاتها عبر العصور، فتروي لنا قصص أمم عاشت، وأثرت، وتركت بصمات لا تزول. إنّ الحضارات ليست مجرد حقب مضت او بناء عظيم أو تمثال شاهق، بل هي روح تذوب في الفنون والعلوم، تتجسد في الأفكار والعادات، وتنتشر في طيّات الكتب وعلى صفحات التاريخ.
في كل حضارة، نرى ولادة فكرٍ جديد، لغة تنبض بالحياة، وأناسًا يضربون في الأرض ليبنوا لأنفسهم مجدًا يظل حيًا، حتى وإن رحلوا نراهم بين الرمال والأحجار، بين الأنهار والجبال، حضاراتهم تُشكّل معالمها دروسًا خالدة، وقلوبنا تهتز كلما سمعنا صداها في أروقة التاريخ.
بين هذه الأسطر، سنرحل معًا إلى أعماق الزمن، نتجول بين معابد الفراعنة، نسمع صدى الخطى في شوارع الحضارة اليونانية والبطلمية، ونتجول في ميادين العصر الروماني والإسلامي وسنقرأ في السطور ما يجمع بين الدهشة والعظمة، عن أناس كتبوا أسطرًا لا تمحى، وأسسوا قواعد ارتكزت عليها الحضارات اللاحقة.
إنّ دراسة الحضارات هي رحلة إلى الذات البشرية، حيث نكتشف أن الإنسان، وإن اختلفت جغرافيته وثقافته، إلا أنّ تطلعاته وآماله واحدة: البقاء، الإبداع، وتخليد الأثر.
أمامنا، في هدوء الزمن العتيق، يقف باب من الحجر الرملي، حجمه هائل على سطحه تتشابك نقوش هيروغليفية عتيقة، تحمل بين طياتها لغة منسية، لغة عرفتها الحضارة التي خلف هذا الباب. العين التي تراقبنا من أعلى الباب ليست عينًا عادية؛ إنها “عين حورس”، الذي استخدمه المصريون القدماء لتبقى حرّزًا لأسرارهم وأرواحهم. “لقد كانت الحضارة المصرية من أوائل الحضارات التي قدّست الرموز مثل عين حورس، حيث مثّلت السلامة والصحة والقوة”.
عزيزي القارئ أدفع الباب ببطء، دعنا نرى ما خلف هذه البوابة العظيمة يا له من منظر انها مصر القديمة تقف أمامنا كعروس جميلة، انها مصر القديمة حيث تشرق الشمس من فوق الأهرامات الثلاثة في الجيزة، كما كانت منذ آلاف السنين، “إن من ينظر إلى الأهرامات يظن أنها بنيت لتبقى خالدة إلى الأبد” أشعر أنني أمام عظمة ليست كأي بناء؛ إنها أماكن تلامس فيها الأرض السماء، ويصعد منها الفراعنة إلى العالم الآخر كما يزعمون.
دعونا نتقدم بخطوات بطيئة وسط هذه الرموز المعمارية التي تبدو وكأنها رموز تحكي ما كان يحدث في تلك الحقب، أشعر بالرهبة أمام الحجارة الضخمة، التي تمّ جمعها من أعماق الصحراء ووُضعت بإحكام بتصميم مذهل في تلك المباني الهائلة.
يقول أحد المؤرخين: “الأهرامات لم تكن مجرد مقابر للملوك، بل كانت معابد للروح والعقل، حيث يتلاقى الفكر والخلود”.
تتسرب إلينا رائحة التاريخ، فنحن الآن في معبد من تلك المعابد التي تعجّ بالأسرار. الأعمدة العالية ترتفع، كأنها أشجار نخل خالدة من حجر، “كانت الأعمدة في المعابد المصرية تمثل أشجار النخيل أو نباتات البردي”.
هنا، أشعر وكأن الطبيعة نفسها تمثل حضنًا للمصريين القدماء، حيث قدسوا الحياة في كل شيء، سواء في النيل أو في الحقول، وجعلوا من معابدهم مرآة لهذا التقديس العميق.
الألوان، رغم ما اعتراها من شحوب مع مرور الزمن، ما زالت تعكس عظمة إبداعهم. هنا على هذه الجدران، نقرأ قصص الآلهة التي عبدوها، ونرى الملوك يمشون بين البشر كآلهة.
وقد قال سليم حسن في موسوعة مصر القديمة: “الحضارة المصرية لم تكن مجرد حضارة معمارية، بل حضارة روحية تتشابك فيها الأسطورة مع العلم والفن” فكل حجر هنا وكل نقش هنا يروي قصة خلف كل تمثال، يقف تاريخ طويل من النصر والدموع، من الفرحة والحزن.
فنرى تمثالًا لأوزوريس، إله البعث والحياة بعد الموت، واقفًا في هدوء، وعيناه تتابعان المارين. “كان المصريون يؤمنون بأن الموت ليس نهاية الحياة، بل بداية جديدة للروح.
تعد الحضارة المصرية القديمة، إحدى أعظم الحضارات التي عرفها التاريخ، لم تكن فقط مركزًا للعلوم والفنون والهندسة، بل هي ساحة تداخل فيها الدين مع الحياة اليومية، وكانت شاهدة على بعثة بعض الأنبياء على ارض مصر.
1. المعتقدات الدينية في مصر القديمة قبل النبوة
الحضارة المصرية كانت تقوم على مجموعة من المعتقدات الدينية والأسطورية التي سيطرت على حياة المصريين القدماء. كان المصريون يؤمنون بتعدد الآلهة، ولكل إلهٍ دوره الخاص في الحياة والموت والطبيعة. من بين الآلهة البارزين:
1/ راع: إله الشمس وخالق العالم، وكان يتمتع بمكانة مركزية في العبادة المصرية.
2/ أوزوريس: إله البعث والحياة بعد الموت، وهو الذي يحكم عالم الأموات.
3/ إيزيس: إلهة الأمومة والخصوبة، وشخصية محورية في الأساطير المصرية.
4/ حورس: إله السماء وحامي الفرعون، الذي يرمز إليه بعين حورس الشهيرة.
كانت هذه الآلهة جزءًا من نظام ديني شديد التعقيد، حيث تم بناء المعابد والنُصب لهم ، وكانت الأساطير تمثل دورًا حيويًا في فهم المصريين للعالم وما بعده. على سبيل المثال، اعتقدوا أن الحياة على الأرض مجرد مرحلة، وأن الموت يقود إلى حياة أخرى تعتمد على أعمال الإنسان في الحياة الدنيا. يقول سليم حسن في موسوعة مصر القديمة: “كان المصريون يؤمنون إيمانًا راسخًا بأن الموت ليس النهاية، بل هو رحلة إلى عالم آخر حيث يُحاسب المرء على أفعاله”.
2. الأنبياء الذين بعثوا في مصر
أ. النبي إبراهيم (عليه السلام) وزيارته لمصر
النبي إبراهيم (عليه السلام) لم يكن من مصر، ولكنه زارها مع زوجته سارة عندما انتقل من بلاد الشام إلى مصر خلال فترة المجاعة. تشير بعض الروايات إلى أن فرعون مصر حينها حاول الاعتداء على سارة، ولكن الله سبحانه وتعالى حماها. بعد تلك الحادثة، أهدى فرعون النبي إبراهيم هاجر، التي أصبحت فيما بعد أم النبي إسماعيل (عليه السلام). وقد لعبت مصر في هذه القصة دورًا محوريًا في تشكيل تاريخ الأنبياء.
ب. النبي يوسف (عليه السلام)
النبي يوسف (عليه السلام) هو واحد من أهم الأنبياء الذين عاشوا في مصر، وارتبطت قصته بشكل وثيق مع الحضارة المصرية. أرسله الله إلى مصر بعد أن باعه إخوته ، واشتراه أحد المسؤولين في قصر فرعون، وهو عزيز مصر. كان يوسف عليه السلام معروفًا بجماله وحكمته، ومن خلال الأحداث التي تلت، أصبح يوسف عليه السلام مسؤولاً كبيرًا في مصر. تولى مهمة إدارة مخازن الغلال في البلاد خلال فترة المجاعة التي ضربت المنطقة.
كان يوسف (عليه السلام) مصدرًا للحكمة والعدالة في البلاد، وكان له دور كبير في إنقاذ مصر من المجاعة بفضل التدبير الذي ألهمه الله إياه.
ج. النبي موسى (عليه السلام)
النبي موسى (عليه السلام) هو أحد أهم الأنبياء الذين ارتبطت قصتهم بمصر بشكل محوري. ولد موسى عليه السلام في مصر خلال فترة كان فيها الفراعنة يضطهدون بني إسرائيل. أمر فرعون آنذاك بقتل كل مولود ذكر من بني إسرائيل خوفًا من نبوءة تقول بأن هناك من سيأتي ليقضي على حكمه. تم إنقاذ موسى عليه السلام عندما وضعته والدته في نهر النيل، والتقطته آسيا زوجة فرعون وربته كابنٍ لها في قصر فرعون.
لاحقًا، بعد أن كبر نبي الله موسى عليه السلام ، أوحى الله إليه ليعود ويواجه فرعون ويطالب بإطلاق سراح بني إسرائيل من العبودية. القصة الشهيرة بين موسى وفرعون وما تبعها من معجزات مثل انشقاق البحر،
قال الله تعالى في القرآن الكريم:(فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم).سورة الشعراء: 63).
والعديد من المعجزات التي تثبت نبوة موسى عليه السلام تظل من أبرز القصص التي ارتبطت بمصر في النصوص الدينية في الإسلام والعديد من الديانات.
3. مصر بين الأنبياء والفرعون
الحضارة المصرية قبل بعثة الأنبياء كانت تتمتع بنظام ديني واجتماعي متين. الفرعون كان يعتبر نفسه إلهًا أو نصف إله، ويُعبد كرمز للقوة والسيادة. يقول سليم حسن في موسوعة مصر القديمة : “الفرعون كان يُعتبر وسيطًا بين الآلهة والشعب، وكانت له سلطة مطلقة في كل جوانب الحياة، من الدين إلى السياسة”. هذا الاعتقاد العميق بألوهية الفرعون كان جزءًا من الصراع الذي واجهه الأنبياء في مصر، خاصة النبي موسى عليه السلام الذي جاء برسالة التوحيد في مواجهة هذه العقيدة الوثنية.
-الهرم الأكبر في الجيزة: أسطورة ترويها الحجارة
وسط تيارات الزمن المتتالية ، تلاشت عجائب الدنيا السبع واحدة تلو الأخرى، تاركة خلفها أصداءً من العظمة التي خلدتها الأحجار والذكريات. إلا أن الهرم الأكبر في الجيزة وقف صامدًا كحارس يحرس الزمن الصامت، بقي واقفًا بشموخٍ، متحديًا عوامل التعرية. هذا الصرح الذي يعانق السماء ويحمل في طياته أسرار حضارة ضاربة في القدم، هو احد الشواهد على الإبداع البشري الذي يتحدى الزمن، فكان رمزًا للإبداع البشري على مر العصور.
يُعد الهرم الأكبر في الجيزة، المعروف بهرم خوفو، واحدًا من أعظم عجائب العالم القديم، والوحيد الذي ما زال قائمًا حتى اليوم. بُني هذا الهرم ليكون مقبرة للفرعون خوفو من الأسرة الرابعة خلال حوالي 2600 قبل الميلاد. استغرق بناؤه ما يقارب 20 عامًا بمشاركة نحو 100,000 عامل، من المصريين الذين كانوا يتلقون أجرًا على عملهم في هذا المشروع العملاق الذي لم يظنوا يومًا ان يراه أجيال تبعدهم عنهم آلاف السنين.
يقف الهرم الأكبر على هضبة الجيزة كرمز للعبقرية المعمارية المصرية الفذة، إذ يصل ارتفاعه الأصلي إلى 146.6 مترًا قبل أن يتآكل ليصبح حوالي 137.2 مترًا. يتكون من حوالي 2.3 مليون كتلة حجرية، يزن بعضها أكثر من طنين، ويبلغ طول قاعدته 230.4 مترًا. يتميز الهرم بتصميم داخلي معقد جدًا حيث يضم ممرات وغرفًا، أبرزها “غرفة الملك”، التي وُضعت في منتصف الهرم كرمز لرحلة البقاء التي يبحثون عنها ممثلة في الخلود الذي ظل هاجسًا يلاحقهم وأملاً يعانقوه صبح مساء.
خلف هذا البناء العريق تقف قصة الإصرار البشري، حيث شهدت مراحل بنائه تطورًا ملحوظًا في هندسة الأهرامات، من هرم زوسر المدرج إلى الهرم الأحمر الذي كان النموذج الأول للهرم الحقيقي. أما الهرم الأكبر، فقد جسّد ذروة هذا التطور، ليصبح تحفة هندسية خالدة تروي قصص العظمة والخلود الذي دام البحث عنه.
إن الهرم الأكبر ليس مجرد أثر فرعوني، بل هو شاهد على تطور الحضارة الإنسانية وقدرة الإنسان على تحويل المستحيل إلى واقع.
يتبع ……