الأكثر مشاهدة

تبارك عطيوه عبد* في عالم أدب الطفل، لا تقتصر الحكاية على سرد الأحداث أو تقديم ال …

الرمز في أدب الطفل.. من الحكاية إلى تنمية الخيال والتأويل

منذ 12 ساعة

4

0

تبارك عطيوه عبد*

في عالم أدب الطفل، لا تقتصر الحكاية على سرد الأحداث أو تقديم الشخصيات في مواقف متتابعة، بل تتجاوز ذلك إلى بناء عوالم تتخفّى فيها المعاني خلف الصور والأشياء والمواقف. فالطفل لا يتلقى القصة بالكلمات وحدها، إنما يتفاعل مع الصور التي تثيرها في مخيلته، وما تتركه من أسئلة تدفعه إلى الاكتشاف والتفكير. من هنا، يبرز الرمز بوصفه أداة فنية تمنح القصة أبعادًا أعمق، وتجعل القراءة رحلة ممتعة بين ظاهر الحكاية وما تنطوي عليه من دلالات.

فالرمز في القصة الموجّهة للطفل ليس مجرد وسيلة لإخفاء المعنى أو تعقيده، بل هو جسر يصل بين عالم الطفل المحسوس والعالم المجرّد الذي لم تتشكل مفاهيمه لديه بصورة مكتملة. فقد تتحول الشجرة في الحكاية إلى رمز للعطاء والصمود، ويصبح الطائر صورة للحرية والانطلاق، فيما يمكن أن يمثّل الطريق الطويل رحلة الاكتشاف والنمو. وعندما يقرأ الطفل عن عصفور يبحث عن عشه، أو زهرة تنتظر المطر، فإنه يتابع مغامرة بسيطة في ظاهرها، لكنه قد يكتشف من خلالها معاني الانتماء والصبر والأمل، من غير أن تُقدَّم له هذه المعاني في صورة مواعظ مباشرة.

تتجلّى القيمة الفنية للرمز في قدرته على مخاطبة خيال الطفل وتحفيزه على المشاركة في بناء المعنى. فحين يواجه الطفل شخصية تتصرف على نحو غير مألوف، أو شيئًا عاديًا يكتسب داخل الحكاية دلالة جديدة، يبدأ بالتساؤل عن الأسباب والنتائج، ويربط بين الأحداث وما يعرفه من تجاربه اليومية. هكذا، لا يعود قارئًا ينتظر نهاية القصة فحسب، بل يصبح مشاركًا في اكتشاف دلالاتها. فقد يرى في مفتاح ضائع وسيلة للوصول إلى مكان مجهول، ثم يكتشف مع تطور الأحداث أن المفتاح نفسه يرمز إلى المعرفة أو الثقة بالنفس. بذلك، تتحول القراءة إلى نشاط ذهني يجمع بين المتعة والتفكير.

غير أن نجاح الرمز في أدب الطفل يتطلب وعيًا بطبيعة المرحلة العمرية ومستوى الإدراك لدى القارئ الصغير. فالرمز الفاعل ليس ما يغرق القصة في الغموض، إنما ما يفتح أمام الطفل مجالًا للتساؤل من دون أن يفقده القدرة على متابعة الأحداث. ومن ثم، ينبغي أن تنشأ العلاقة بين الرمز ومعناه من سياق الحكاية وشخصياتها وتطورها، لا أن تُفرض على النص فرضًا. فالطفل يحتاج إلى إشارات فنية تساعده في الاستنتاج، وإلى أحداث مترابطة تمنحه فرصة اكتشاف الدلالة بنفسه، مع ترك مساحة لتعدد القراءات بما يتناسب مع خبرته وخياله.

وتقدم بعض الأعمال المعروفة في أدب الطفل نماذج واضحة لهذه الوظيفة؛ ففي قصة «الأمير الصغير» لأنطوان دو سانت إكزوبيري، تتجاوز رحلة الأمير بين الكواكب حدود المغامرة لتطرح أسئلة عن الصداقة والمسؤولية وطبيعة العلاقات الإنسانية، كما تكتسب الوردة والثعلب دلالات تتجاوز حضورهما بوصفهما شخصيتين في الحكاية. وفي حكاية «الأسد والفأر»، المتداولة ضمن حكايات إيسوب، تكشف العلاقة بين الحيوانين أن القوة لا تُقاس بالحجم وحده، وأن الصغير قد يؤدي دورًا لا يستطيع الكبير القيام به. وتوضح هذه الأمثلة كيف يمكن للشخصيات الحيوانية والأشياء والرحلات أن تحمل معاني إنسانية، يدرك الطفل جانبًا منها أثناء القراءة، ثم تتسع دلالاتها مع نمو خبرته.

ولا تنحصر وظيفة الرمز في تنمية الخيال والاستنتاج، بل تمتد إلى تعزيز الحس الأخلاقي والاجتماعي لدى الطفل، شريطة ألا يتحول إلى وسيلة للتلقين المباشر. فالقصة التي تجعل النهر يتألم من تلوث مياهه، أو تمنح شجرة عجوزًا صوتًا تحكي به ما شهدته من تغيرات، تستطيع أن تقرّب إلى الطفل مفاهيم حماية البيئة واحترام الحياة من خلال التجربة المتخيّلة. وعندما يكتشف الطفل العلاقة بين تصرفات الشخصيات والنتائج المترتبة عليها، يصبح المعنى أكثر اتصالًا بوعيه، وأبعد عن مجرد نصيحة عابرة تُنسى بانتهاء القراءة.

من هنا، تقع على عاتق الكاتب مسؤولية الموازنة بين القيمة الجمالية والوضوح الفني؛ إذ ينبغي أن يكون الرمز جزءًا أصيلًا من نسيج القصة، وأن تنسجم دلالاته مع أحداثها وشخصياتها، من غير مبالغة في الشرح أو اعتماد على الغموض المفتعل. كما تبرز أهمية منح الطفل فرصة للتأويل والحوار؛ لأن اختلاف فهمه للرمز ليس بالضرورة خللًا في القراءة، بل قد يكون دليلًا على تفاعل النص مع تجاربه الفردية. فالغاية ليست أن يصل جميع الأطفال إلى تفسير واحد، إنما أن يتعلموا الإصغاء إلى النص، وملاحظة الإشارات، وتبرير قراءاتهم في ضوء أحداث الحكاية.

إن جمال الرمز في أدب الطفل يكمن في قدرته على تحويل القصة من حكاية تُقرأ ثم تُطوى صفحاتها إلى تجربة تستمر في ذهن الطفل وترافق نموه المعرفي والوجداني. فالشجرة التي قرأ عنها اليوم قد تذكّره غدًا بمعنى العطاء، والطريق الذي سلكته شخصية قصصية قد يصبح في خياله صورة لكل بداية جديدة. بهذا، يغدو الرمز أكثر من عنصر جمالي؛ إنه وسيلة لتوسيع أفق الطفل، وتنمية خياله، وتعويده على اكتشاف المعاني الكامنة وراء الظواهر، وإدراك أن العالم، مثل الأدب، لا يُفهم دائمًا من ظاهره وحده.

*كاتبة عراقية

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود