1419
0
409
0
575
0
408
0
1609
0
7
0
10
0
3
0
5
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13806
0
13642
0
12457
0
12246
0
9778
0
سلوى الأنصاري
خلق الله الإنسان، وأودع في فطرته حبَّ الجمال، فأصبح يراه في كل شيء حوله؛ يراه في السماء والمخلوقات الحية، وفي الطبيعة التي تتجلّى فيها بديع صنع الخالق. قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية: 17-20].
نرى في هذه الآيات الكريمة دعوةً إلى التأمل والنظر في آيات الله، واستكشاف ما أودعه في الكون من بديع الصنع وعظيم النعم. ولعلّ هذا التأمل هو أحد الأبواب التي عبر منها الإنسان إلى اكتشاف الجمال، فلم يكتفِ بمشاهدته الطبيعة، بل أخذ يبحث عن السُبل، ويستنبط من تلك العناصر ما يعينه على إعادة تشكيله وفق رؤيته وذائقته.
هكذا، ظل الإنسان متأملًا ما حوله، حتى أصبح صنع الجمال أحد اهتماماته التي رافقته منذ فجر الحضارات؛ فاستثمر المواد التي سخّرها الله له، واكتشف المعادن، وتعرّف على خصائصها، فمضى يشكّلها ويصوغها، محوّلًا إياها من عناصر خام في باطن الأرض لا قيمة لها إلى أدوات للزينة، ورموز للمكانة الاجتماعية، وشواهد على ما بلغه من معرفة ومهارة في تطويعها.
ذات يوم وقفت فتاة صغيرة أعياها المرض تتأمل عنقها وتسأل “هل سيعجز الزمن عن إخفاء عقدي الجميل!”.
مرت حضارات وحضارات على ذلك السؤال، فالحُليّ لم تكن في مسيرة الإنسان، مجرد قطعٍ تُزيّن الجسد أو تُظهر الثراء؛ بل كانت لغةً صامتة تعبّر عن الهوية، وتكشف عن المعتقدات، وتروي شيئًا من حكايات أصحابها.
ففي انحناءة سوار، وتناسق خرزات عقد، وبريق حجر كريم، تتوارى حكايات أناس عاشوا، وأحلام نساء تزيّنَّ، وأيدٍ أبدعت، وذائقةٍ استطاعت أن ترى في المادة الجامدة روحًا من الجمال.
ومن بين الشواهد الأثرية التي تحمل إلينا شيئًا من هذه الحكاية، يطلّ علينا عقد فتاة ثاج بطلًا لتلك الرواية، ذلك الأثر الذي عُثر عليه في قرية ثاج الأثرية بالمملكة العربية السعودية، ليمنحنا فرصة للتأمل في جماليات الحُليّ القديمة، وفي العلاقة التي نسجها الإنسان بين المادة والقيمة، وبين الجمال والهوية، وبين الفن والحياة.
تقع ثاج في المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية، وهي من المواقع الأثرية التي تكشف عن حضور حضاري وتجاري مهم في شرق الجزيرة العربية خلال العصور القديمة. وقد أسهم موقعها في اتصالها بشبكات التبادل التجاري، الأمر الذي يجعل آثارها نافذةً مهمة لفهم ما شهدته المنطقة من تفاعل ثقافي، وما عرفه سكانها من أنماط الحياة ومظاهر الثراء والفنون عبر العصور.
وفي هذا المقال، لا يبدو عقد فتاة ثاج مجرد حُلية استقرت في طبقات الأرض حتى عثرت عليها أيدي المنقّبين؛ بل يبدو كأنه رسالة عبرت الزمن، تحمل في تفاصيلها أثر يدٍ صنعت، وعينٍ اختارت، وذائقةٍ رأت في تنسيق الخامات وتجاور الألوان سبيلًا إلى الجمال. إنه أثرٌ يضعنا أمام سؤال يتجاوز قيمته المادية: كيف استطاع الإنسان القديم أن يمنح المواد التي بين يديه قيمةً جمالية تأسر من بعدهم بعصور؟
إن جمال المكتشف في تلك الحُليّ لا يتوقف عند نفاسة المادة التي صُنعت منها، ولا عند بريق المعادن والأحجار التي تتكوّن منها، بل يمتد إلى الطريقة التي نُظّمت بها عناصرها، وإلى العلاقات التي أقامها الصانع بين الشكل واللون والحجم والملمس.
ففي التكوين الفني البسيط في عقد فتاة ثاج، قد تتحوّل حبات صغيرة إلى إيقاع بصري متتابع، ويغدو تكرار العناصر وسيلةً لتحقيق التوازن، بينما يخلق اختلاف الألوان وتباين الخامات نوعًا من الحوار البصري الذي يستوقف العين ويستثير التأمل.
من هنا، يمكن النظر إلى عقد فتاة ثاج بوصفه مدخلًا لقراءة الجماليات الكامنة في الحُليّ الأثرية؛ قراءة لا تنشغل بالمادة فحسب، إنما تتجاوزها إلى الصياغة التصميمية التي منحتها صورتها النهائية. فالمادة، مهما بلغت نفاستها، تظل في حاجة إلى رؤية فنية تظهر حضورها.
ولعلّ أكثر ما يثير التأمل في هذه القطعة الأثرية هو قدرتها على استحضار الغائب؛ فصاحبتها التي لا نعرف ملامحها، ولا نملك تفاصيل حكايتها كاملة، ما زالت حاضرةً في أثرٍ من آثار زينتها. نستطيع أن نتخيّل أن هذا العقد لامس عنق فتاة في زمن مضى، وربما رافقها في مناسبة سعيدة، أو كان جزءًا من زينتها اليومية، لكن هذه الاحتمالات تظل تخيّلات أدبية لا تثبتها القطعة وحدها.
أما ما نستطيع قوله بثقة، فهو أن بقاء العقد حتى يومنا هذا قد منحنا فرصةً نادرة للتأمل في جانب من جوانب الحياة الإنسانية القديمة، وفي استمرار رغبة الإنسان في إحاطة نفسه بالجمال.
إن الآثار لا تخبئ لأجيال القادمة الأشياء؛ بل تحفظ أيضًا أسئلة الإنسان الأولى عن الجمال، وتكشف عن محاولاته المتكررة لتجاوز حدود المادة إلى فضاء المعنى.
وقد ذكر في أكثر من مصدر
أن هذا العقد صنع من الذهب الخالص بنسبة نقاوة عالية، ومصاغ بحرفية دقيقة تعكس الفن الهلنستي.
أما نوع الأحجار الكريمة واللآلئ فيه/
الياقوت: جرى استخدامه لتطعيم العقود وإعطائها لوناً أحمر قرمزيّاً متألقاً.
الفيروز: أضاف لمسة من اللون الأزرق السماوي المخضر المميز.
اللؤلؤ الطبيعي: استُخدمت حبات اللؤلؤ بكثافة، ومنها ما هو مذهب (مغلف بالذهب) ليدخل في تركيب العقود.
حجر الجزع (العقيق الأسود/ شبه الشفاف): صُنع منه نوط أو دلاية مركزية خاصة يتدلى من العقد الرئيسي، ونُحت على هذا الحجر بدقة وجه بشري صغير.
وما عقد فتاتنا التي تبدو فاتنة ولم تتجاوز الخامسة عشر من عمرها، إلا شاهد على أن الشغف بالجمال ليس وليد عصرنا، ولا حكرًا على حضارة دون أخرى؛ إنه غريزة إنسانية عابرة للأزمنة، تتبدّل أدواتها وتتنوّع أشكالها، بينما يظل جوهرها حاضرًا في أعماق النفس البشرية.