مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

ربى عامر البردي* عندما رُفع جسد زوجي، وتضَعضَعت عظامه على مِلحفة السرير، علمت أن …

غالية

منذ سنة واحدة

646

0

ربى عامر البردي*

عندما رُفع جسد زوجي، وتضَعضَعت عظامه على مِلحفة السرير، علمت أن أنفاسه قد رحلت.
طالما بادية البُقُوم تستفيض، لتُنجد أهلها، من عمائم الرّؤوس الثائرة، الضخمة.
وسط ألوف من الرجال، يَلفحون برمحهم صوب المعركة. شيخ القبيلة يفقد عباءته التي يُطفئ بها خوف الفرسان، يفقد عكازته التي يُلقي بها ركائز الشجعان.
إنني هنا وحيدة، أَمقُل موته مدهوشة، أنطق اسمه ملهوفة؛ تجاه الحرية، تجاه الأمان لسائر البادية. أخذت خوفي ومُقتي وسِرت، خلف الصحراء الناعمة. عندما تحتضن الجثث، تصير خشنة، مكبوتة.
أرضي وشعرها، صارت مُلطّخة بالدماء. طينة منازل أسلافي، صارت تذوب من الرُّعاش.
ما عاش من يسرق قُوت قبيلتي، شبيبتهم، فرحتهم … يا ويلتي إن كنت سأقف هناك متحسرة، أحتري الليل ليمحي نار العثمانيين الفجّة. دكيت سلالم مخازن البنادق دكّة. أمرت المقاتلِين بأن يُلاجوا بها خصومهم. باسم الشيخ، أدبروا بأعدادها بغتة. باسم الشيخ، بصوت غالية، أغليت قلوب الناس قوة وثواء، ليناضلوا بأنفسهم مدافع الأعداء.

أخرج من الدّار، متأملة، على حنجرة الرياح … انتظر منها أن تصمت لتُعلن بعدها صفير الانتصار.
أراقب اختزالاتها، وهي تعدو بين صفوف أقدامهم.. تنثر لهم الرمال، تعيق أركانهم، تسقط سيوفهم، تجرُّهم إلى خيولهم النّحِبَة. تُنهي كلّ شيء، تزفُّ لهم بشرى الهيماء. تجولُني رياح باردة، تُشكّلني، تُشكّل هويتي.
أنا غالية البُقمية، شمس وطني لن تغيب، ما دمت موجودة.

 

*كاتبة من السعودية

 

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود